أشعار المتنبي تنضح غربة وحنينا.. تجربة الغربة التي عكست شخصيته المأساوية الرافضة لكل مايحيط بها



أشعار المتنبي تنضح غربة وحنينا:

لا أحسب أن شاعرا كان نموذجا فذا لتجربة الغربة كأبي الطيب المتنبي ولد عام 915 ومات بعد ذلك بخمسين عاما وهى تجربة تكاد تختزل بأبعادها المختلفة كل ما قيل في هذا المجال حتى كأنه مرآة مقعرة التمت فيها خيوطها وخطوطها، فأضاف إليها من شخصيته المأساوية الرافضة لكل ما يحيط بها، وما صار لها بؤرة عميقة بإنسانيتها وفريدة بخصوصيتها، فعلى مثل ما وقف أسلافه، وقف المتنبي على الأطلال رسالها أخبار الاهل والاحباب فقال:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل
دعاه فلباه قبل الركب والإبل 

وعلى مثل ما حنت قلوبهم لأهليهم وما اثار الشوق فيهم، حنَّ وأحس بمرارة أنه قد لا يقيض له القدر ان يلتقى بأحبائه:
فما صبابة مشتاق على أمل
من اللقاء كمشتاق بلا امل

وعلى الرغم من أن المتنبي لم يعطنا من خلال حياته الملأى بالأحداث الجسام الصور للذين يشتاق اليهم، فهو في رفض دائم لكل أنواع العلاقات في عصره، فثمة اهل يسعى الى لقائهم ويستحيل عليه ان يلتقى بهم، حتى لكأنهم رمز لأهل لم يولدوا بعد.
أحن إلى أهلي وأهوى لقائهم
وأين من المشتاق عنقاء مغرب

وإذا كان أنْ ظن انه واقع الى اهله في هذه الأرض العربية او تلك ،سرعان ما ينكفي خائبا فهو لن يجد بينهم الامن يحسدونه، إلا من يعمقون غربته في أرضه كما احس بذلك وهو في ارض (نخلة) ببعلبك:
ما مقامي بارض نخلة إلا
كمقام المسيح بين اليهود

وإن وقع الى غير اهله حز في نفسه ذلك بما انقطع بينه وبينهم من سبب يشهده اليهم
لكن الفتى العربي فيها -- غريب الوجه واليد واللسان

ولم يكن مقامه في اية ارض أخرى بأحسن من مقامه في أرض (نخلة) مادام المتنبي متحفظا بكبريائه وغروره واستصغاره لكل اهل عصره من ذوى الجثث الضخام فغربته تنبع من عمق احساسه بتفاهة كل ما يحيط به وتفاهة الناس الذين شردوه من ارض الى ارض كل ارض يسعى لأن يتلمس لأحبته سبيلا في رؤية توهمه بأنهم على مثل قامته وعلى مثل وده لهم.
أما الاحبة فالبيداء دونهم -- فليت دونك بيداء دونها بيد

وبقدر ما كان يشعر بغربته كان يعوض نفسه باعتداده بها وترفعه حتى من ان يقبل ما يجود به زمنه عليه.
أعطى الزمان فما قبلت عطاءه
واراد لي فاردت ان أتخيرا

فهو الكبير دائما فان دخل مجلس سيف الدولة فهو((خير من تسعى به قدم)) حتى ولو كان سيف الدولة نفسه من مجالسيه وان زاره واحد من الناس ناوره وشاغله ليراه وهو واقف له ولكى لا يقف هو لضيفه وان له وحده ان يهب الناس ما يكبرون به وليكون لوجودهم معنى مكتسب من وجوده هو.
ولو لم تكوني بنت اكرم والد
لكفى أباك الضخم كونك لي أما

كانت غربة المتنبي تنبع من عمق احساسه بانه يبحث عن وطن جديد هو ليس الوطن الجديد هو ليس الوطن الذى تمزقه الاحقاد وتسيطر عليه ارادة الغرباء وعن انسان جديد هو ليس الانسان العربي المحنى الرأس والظهر وان عليه ان يجعل من غربته رمزا للثورة عليهما.

ولذلك كان كما يقول الاستاذ صدقى اسماعيل (كثير الاسفار ما يكاد يشعر بالخيبة فى مكان حتى يتركه من غير رجعة) موكداً على آصالة حسه القومى وعلى تعصبه له موكدا فى الآن ذاته على ضخامة اناه، وعلى ان يصبر فى المفردة.

وفي الواقع البطل المأساوي الذي يتمزق ما بين معاناته للواقع وما بين إصراره على تغيره ولانه كان كذلك فان غربته لم تكن مطلقاً كغربة الادباء الرومانسيين التى سرعان ما تتآلف مع كل ما هو غريب فى محيطها أن غربة المتنبى ضرب من الشعور بالوحشة القاتمة التى ترفض أن تدوب إلا فى نفسها ولانه كان كذلك فقد بقى المتغرب الذى لا يستقر فى مكان ولا يرضخ لظروف مفروضة عليه.
تغرب لا مستعظما غير نفسه
ولا قابلا الا لخالقه حكما
ولا سالكا الاّ فؤاد عجاجة
ولا واجدا الالمكرمة طعما