غلاء المهور وأضراره ودوره في العزوف عن الزواج وزيادة نسبة العنوسة وكثرة الفتنة



لاشك أن الزواج ضرورة من ضروريات الحياة؛ إذ به تحصل مصالح الدين والدنيا، ويحصل به الارتباط بين الناس، وبسببه تحصل المودة والتراحم ويسكن الزوج إلى زوجته والزوجة إلى زوجها قال تعالى: ]ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون[ [الروم: 21]، وبالتزوج يحصل تكثير النسل المندوب إلى طلبه كما في الحديث عنه  أنه قال: «تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم»([1])
والتزوج أدعى إلى غض البص وإحصان الفرج والعفة ونرى أن حياة المتزوج أحسن من حياة الأعزب بكثير فإن المتزوج تكون نفسه مطمئنة وعيشته هنيئة وتتوفر لديه أسباب الراحة والدعة والسكون وتزكو بذلك أمور دينه ودنياه كما في الحديث: «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الثاني»([2]) خصوصًا إن وفق لامرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله، وقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الأمر بالتزوج والترغيب فيه من ذلك قول الله تعالى: ]فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء: 3].
وقال تعالى: ]وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ [النور: 32] والأيامى جمع أيم وهو الذي لم يتزوج من الرجال والنساء وفيها حث على التزوج ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه (أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) وقال ابن مسعود رضي الله عنه (التمسوا الغنى في النكاح) ]إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[.
وفي الحديث «ثلاثة حق على الله عونهم: المتزوج يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله»([3]) قال ابن كثير رحمه الله: والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، فينبغي لمن يستطيع الزواج أن يتزوج امتثالا لأمر الله ورسوله وإعفافا لنفسه وزوجته فإنه يحصل بعدم الزواج أضرار كثيرة منها: النظر المحرم الذي هو سهم مسموم من سهام إبليس وهو بريد الزنا، وأمراض تعترض الإنسان بسبب التأيم، ولكن وياللأسف نرى كثيرا من الشباب عندهم عزوف عن الزواج الشرعي وهروب عن مسئوليته، وفي ذلك خطر عظيم عليهم وعلى أمتهم، وقد قال رسول الله ص الذي هو بأمته رءوف رحيم «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»([4]) والباءة: مئونة الزواج وتكاليفه وفي الحديث الحث على النكاح لما فيه من تحصين الفرج وغض البصر، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ص حمد الله وأثنى عليه وقال: «لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([5]).
وكثير من الناس اليوم قد لا يستطيع الزواج بسبب غلاء المهور والإسراف في حفلات الزواج وهي مشكلة عويصة أضرت بالمجتمع وحصل بسببها من الظلم للفتيان والفتيات ما الله به عليم، ولم يؤثر عن النبي ص ولا عن أحد من أصحابه والتابعين لهم بإحسان أنهم تغالوا في المهور ولا أمروا بذلك بل ورد في الحديث أن النبي ص قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد»([6]).
وفي رواية للترمذي: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» وإسناده حسن، وقال عليه الصلاة والسلام «إن أعظم النكاح بركة أيسره مئونة»([7]) وكان صداق أزواج النبي ص وبناته في حدود خمسمائة درهم وزوج امرأة على رجل فقير ليس عنده شيء من المال بما معه من القرآن بعد أن قال له: «التمس ولو خاتما من حديد فلم يجد شيئا»([8]).
وتزوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه امرأة على وزن نواة من ذهب([9]) والله تعالى يقول: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا[ [الأحزاب: 21].
وليس من الحكمة ولا من المصلحة التغالي في المهور والإسراف في حفلات الزواج، وطلب الأولياء من المتزوج الأموال الباهظة التي يعجز عنها الفقير وتكون سببا للحرمان من الزواج وتأيم الفتيان والفتيات، والمغالاة في المهور، وجعل الزوجة كأنها سلعة تباع وتشترى مما يخل بالمروءة وينافي الشيم ومكارم الأخلاق.
وينبغي لمن لا يستطيع الزواج أن يصوم وأن يستعفف حتى يغنيه الله تعالى من فضله كما قال تعالى: ]وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ[ [النور: 33].
وقال ص في الحديث المتقدم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»([10]) وعلى أولياء الفتيان والفتيات تخفيف المهور وتيسير سبل الزواج ومراعاة الفقراء ومواساتهم وعدم الطمع والجشع، وتزويج الأيامى بما يتيسر وبذلك يتحقق التكافل الاجتماعي والتضامن الإسلامي، وتسود الأخوة والمحبة والتعاون بين المسلمين، الذين هم كالجسد الواحد كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
([1]) رواه أبو داود والنسائي.
([2]) رواه البيهقي.
([3]) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
([4]) متفق عليه.
([5]) متفق عليه.
([6]) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن وابن ماجه والحاكم.
([7]) رواه أحمد ورواه البيهقي في شعب الإيمان.
([8]) متفق عليه.
([9]) متفق عليه.
([10]) رواه البخاري ومسلم، والوجاء قطع شهوة النكاح.


0 تعليقات:

إرسال تعليق