الغيرة القاتلة تعبير عن الحب العميق وطريق لسوء الظن بين الزوجين.. الغيرة المحمودة. الغيرة المذمومة



لعل الخوف من فقدان الزوج أو الزوجة، والرغبة في استمرار العيش مع الطرف الآخر مدى الحياة، أو الحب الذي يصل إلى المراتب العليا, كلها مشاعر تؤدي إلى ظهور ما يسمى بالغيرة التي تعد من المشاعر المحتوية على المتناقضان لتكون من أزكى المشاعر في حال ومن أسوئها في حال أخرى، فالغيرة شيء مطلوب في العلاقات الزوجية بحدود إذا تم تجاوزها فستؤول إلى ما لا يحمد عقباه.

وقد عُلم أنَّ حسن العشرة وأسباب السعادة لا تكون إلا في اللين والبعد عن الظنون والأوهام التي لا أساس لها، إن الغيرة قد تذهب ببعض الناس إلى سوء ظنّ.. يحمله على تأويل الكلام والشك في التصرفات، مما ينغص العيش ويقلق البال من غير مستند صحيح.

 وإن مما يجب على كل زوجين أن يبتعدا عن مواطن الشبهات لحديث النعمان بن بشير رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمهن  كثيرٌ من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". ([1]).

والمرأة تمنع الغيرة والريبة عن زوجها إذا تحلتْ بالفضائل، والتزمتْ بأوامر الشرع في خروجها من بيتها، وفي زيها، وقولها، وفعلها، ومِشْيَتها، وفي سائر أخلاقها، والرجل يدفع الغيرة عن زوجته، إذا تمسك بأوامر الله، وانتهى عن نواهيه في كل أحواله.
والغيرة نوعان:

1- الغيرة المحمودة:
وهي التي تكون في محلها فإن أشرف الناس وأعلاهم همة، أشدهم غيرة فالمؤمن الذي يغار في محل الغيرة، قد وافق ربه في صفة من صفاته، ومن وافقه في صفة منها كانت تلك الصفة بزمامه وأدخلته عليه وقربته من رحمته.

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلاَ شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلاَ شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ.

وفي رواية: بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةُ يَقُولُ: لَوْ وَجَدْتُ مَعَهَا رَجُلاً لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَِحٍ, قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاَللهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ, وَاَللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.([2]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: (من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يكره الله، فأمَّا ما يحبُّ الله فالغيرة في الريبة وأما ما يكره فالغيرة في غير ريبة) ([3]).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يغار و إن المؤمن يغار، و يرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه" ([4]).

وعن علي بن أبي طالب قال: الغيرة غيرتان غيرة حسنة جميلة يصلح بها الرجل أهله، وغيرة تدخله النار تحمله على القتل فيقتل. ([5]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالغيرة المحبوبة هي ما وافقت غيرة الله تعالى وهذه الغيرة هي أن تنتهك محارم الله وهي أن تؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة.
لكن غيرة العبد الخاصة هي من أن يشركه الغير في أهله فغيرته من فاحشة أهله ليست كغيرته من زنا الغير لأن هذا يتعلق به، وذاك لا يتعلق به إلا من جهة بغضه لمبغضة الله.
ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على أهله، وأعظم ذلك امرأته ثم أقاربه ومن هو تحت طاعته، ولهذا كان له إذا زنت أن يلاعنها لما عليه في ذلك من الضرر بخلاف ما إذا زنا غير امرأته، ولهذا يحد قاذف المرأة التي لم يكمل عقلها ودينها إذا كان زوجها محصناً في أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد .اهـ. ([6]).

وقال الإمام ابن القيم: فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإن خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى، وان زعم أنه من المحبين. فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس. وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه... ويستهين بحقه، ويستخف بأمره. وهو لا يغار لذلك. بل قلبه بارد، فكيف يصح لعبد يدعي محبة الله، ولا يغار لمحارمه إذا انتهكت. ولا لحقوقه إذا أضيعت. وأقل الأقسام أ، يغار له من نفسه وشيطانه! فيغار لمحبوبة من تفريطه في حقه، وارتكابه لمعصيته. وإذا ترحلت هذه الغيرة من اللب ترحلت منه المحبة، بل ترحل منه الدين! وأن بقيت فيه آثاره. ([7]).

روى البخاري في صحيحه من حديث عمرو بن ميمون الأودي: "أن قِرداٍ جاءَ بقِردة اضطجعَ، ثم مدّ يده لها، فاضطجعت بجانبهِ، فلما نام انسلّت، وجاء قردٌ آخر فذهب معها، - إذًا الأول الزّوج، والثاني هو الغريب -، ثم شعَر زوجها فانتفض وأزعجه، ثم صارت المطاردة، اجتمعت القردة، فتجمّعت وقاموا برجمها، قال عمرو بن ميمون: وكنتُ ممن رجمها ([8]).

والحادثة وقعت في اليمن في زمن النبوة.
فإذا كانَ هذا القِرد عنده غيرة، فما بال أهل الإيمان؟!.

قال أحدهم:
وأترك حبّها من غير بغضٍ -- وذلك لكثرةِ الشركاء فيه
إذا وقَع الذباب على طعامٍ -- رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورودَ ماءٍ -- إذا رأت الكلابَ ولغن فيه

وللغيرة المحمودة علامات منها: كره من يدخل بين المحب الصادق، وبين محبوبه.
قال بعضهم:
أغارُ عليكَ من عيني ونفسي -- ومنكَ ومن زمانكَ والمكانِ
ولو أني وضعتكَ في عيوني -- إلى يوم القيامةِ ما كفاني

ومن علاماتها أيضا: أن لا يحب أن يراه حيثما يكره.
عن عائشة رضي الله عنها قَالَت: دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعندي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ورأيت الْغَضَبَ في وَجْهِهِ. قَالَتْ: فَقُلْتَُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انَّهُ آخى مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ: فَقال: انْظُرْنَ إخوتكن مِنَ الرَّضَاعَةِ، فإنما الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ. ([9]).

وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس قال: (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين). قال: فأحفظته الغيرة أن قال: لا، وما يدريك ما قوته وأمانته؟ قالت: أما قوته فما رأيت منه حين سقى لنا لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما أمانته فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه ولم ينظر إلي حتى بلغته رسالتك، ثم قال امشي خلفي وانعتي لي الطريق ولم يفعل ذلك إلا وهو أمين. فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت ([10]).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "أن نفراً من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس رضي الله عنها، فدخل أبو بكر الصديق (ض) وهي تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك. فذكر ذلك لرسول الله (ص) وقال لم أر إلا خيراً. فقال رسول الله (ص): إن الله قد برأها من ذلك. ثم قام رسول الله (ص) على المنبر فقال: لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان. ([11]).

وحدّث ابن الأعرابي عن بعض مشايخه أن رجلا من بني تميم كانت له ابنة جميلة، وكان غيوراً، فابتنى لها في داره صومعة وجعلها فيها، وزوّجها من أكفائه من بني عمها، وأن فتى من كنانة مر بالصومعة فنظر إليها ونظرت إليه فاشتد وَجْد كل واحد منهما بصاحبه ولم يمكنه الوصول إليها، وأنه افتعل بيتاً من الشعر ودعا غلاماً من الحي فعلمه البيت، وقال له: ادخل هذه الدار وأنشد كأنك لاعب، ولا ترفع رأسك ولا تصوبه ولا تومئ في ذلك إلى أحد، ففعل الغلام ما أمر به، وكان زوج الجارية قد أزمع على السفر بعد يوم أو يومين فأنشأ الغلام يقول:
لحى الله من يلحي على الحب أهله -- ومن يمنع النفس اللجوج هواها

قال فسمعت الجارية البيت ففهمت، فقالت:
ألا إنما بين التفرق ليلة -- وتُعطَى نفوس العاشقين مناها

قال فسمعت الأم ففهمت فأنشأت تقول:
ألا إنما تعنون ناقة رحلكم -- فمن كان ذا نوق لديه رعاها

قال فسمع الأب ففهم فأنشأ يقول:
فإنا سنرعاه ونوثق قيدها -- ونطرد عنها الوحش حين أتاها

فسمع الزوج ففهم فأنشأ يقول:
سمعت الذي قلتم فها أنا مطلق -- فتاتكم مهجورة لبلاها

قال فطلقها الزوج وخطبها ذلك الشاب وأرغبهم في المهر وتزوجها ([12]).
فالزوجة الصالحة هي التي تراعي غيرة زوجها، وتحفظ عليه مشاعره.

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربة وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله  صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ.

فجئت يوماً والنوى على رأسي فلقيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال: أخ أخ ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس فعرف رسول الله  صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى.

فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه قالت حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني.([13]).

عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري  رضي الله عنه  في بيته قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن اجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله.

فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله  صلى الله عليه وسلم: خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها الرمح ليطعنها به وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه فما يدرى أيهما كان أسرع موتاً الحية أم الفتى.

قال فجئنا إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فذكرنا ذلك له وقلنا : ادع الله يحييه لنا. فقال: استغفروا لصاحبكم ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان  ([14]).

إن من واجب كل من الزوجين أن يكون عاقلا رزينا ولا يجعل الشك والريبة أمام ناظريه وفي قلبه، فيعكر حياته ويهدد كيان أسرته بالخراب نتيجة الظنون والوساوس الشيطانية وخلل في غريزة حب التملك.

فالغيرة المعتدلة المحمودة تحفظ العلاقة الزوجية، وتوفر السعادة، وتقضي على كثير من المشكلات، أما إذا اشتدتْ الغيرة (وهي الغيرة في غير ريبة)، فأصبح كل من الزوجين يشك في الآخر، ويتمنى أن يكون شرطيًّا على رفيقه، يراقبه في كل أعماله، ويسأله عن كل صغيرة وكبيرة.

فهذا مما يوجد أسباب الخلاف، فتكون الغيرة مدخلاً للشيطان بين الزوجين، وربما أحدث الفرقة من هذه السبيل، وعلى الزوجين أن يثقا في بعضهما البعض، فلا يكثرا من الظن والشك، فذلك وسوسة والمسلم منهي عن ذلك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه رضي الله عنه أن النبي (ص) قال  (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) ([15]).
لا يعجبنك من يصون ثيابه -- حذر الغبار وعرضه مبلول
ولربمـا افتقر الفتى فرأيته -- دنس الثياب وعرضه مغسول

2- الغيرة المذمومة:
الغيرة المذمومة كسائر الأمراض النفسية تفتك بصاحبها، فيختل توازنه، ويضطرب حبل شخصيته وتضطرب حياته الوجدانية وينبري جسمه، وتنحط قواه العقلية، ويقل إنتاجه.

فمما لا شك فيه أن الفطرة البشرية تقتضي غيرة الشريك على شريكه سواء كانت العلاقة بينهما علاقة قرابة كالإخوة مثلا أو علاقة ميثاق غليظ كالزوج مع زوجته. لتكون برهانا على المحبة التي تجمعهما ولتقوى بها أواصر الود الذي يربطهما.

إلا أن هذا الإحساس الحميد قد يؤدي إلى الانفصال إذا ما تخطت الغيرة حدودها المسموح بها شرعا وواقعا، فغالبا ما تبدأ في البداية بالغيرة المحمودة النابعة من حب الأزواج لبعضهم البعض لتتحول إلى الغيرة التي يغلب عليها الشك إذا كانت الظروف المحيطة بهم تساعد على ذلك إلى أن تصل إلى الغيرة المذمومة لتنعكس على حياة الطرفين وتنتهي بارتكاب ما لا يمكن أن يخطر على بال.

ومن الغيرة المنهي عنها ما وقع لأمنا عائشة رضي الله عنها؛ عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال: قالت عائشة: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: بلى. قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري.

ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت. فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: ما لك يا عائش حَشْيا رابية؟ قلت: لا شيء. قال: لتخبريني أو لَيُخْبِرَنِّي اللطيف الخبير. قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته. قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فَلَهَدَني في صدري لَهْدَة أوجعتني.

ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله! قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم. قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون. ([16]).

فما أشقى المرأة الغيورة وما أتعس حياتها، قالت إحدى الخبيرات: "كانت لي صديقة كثيرة الشكوك، شديدة الغيرة، فإذا خرج زوجها، أو ضرب موعدا، أو تكلم في الهاتف، أو حرر رسالة، أو أطرق مفكرا، أو بدا منشرحا، أو أرسل ابتسامة، أيقنت أن هناك امرأة أخرى في حياته".

حكى المبرد عن إسحاق بن الفضل الهاشمي قال: كانت لي جارية وكنت شديد الوجد بها، وكنت أهاب ابنة عمي فيها.
بينما أنا ذات ليلة على السرير إذ عرض لي ذكرها، فنزلت من على السرير أريدها، إذ لدغتني في طريقي عقرب، فرجعت إلى السرير مسرعا وأنا أتأوه. فانتبهت ابنة عمي وسألتني عن حالي، فعرفتها أن عقربا لدغني.

فقالت : أعلى السرير لدغتك العقرب؟! فقلت لا، قالت أصدقني الخبر، فأعلمتها فضحكت وأنشدت:
وداري إذا نام سكانها -- تقيم الحدود بها العقرب
إذا رام ذو حاجة غفلة -- فإن عقاربها ترقب
ثم دعت جواريها وقالت: عزمت عليكن أن تقتلن عقربا هذه السنة !!. ([17]).

والزوجة الفَطِنَة هي التي تبعد الغيرة عن زوجها، فلا تصف رجلا أمامه، ولا تمدحه ولا تثني عليه؛ فذلك مما يسبب غيرته، وضيق صدره ، مما قد يدخل التعاسة بين الزوجين، بل تمتدح زوجها وتثني عليه بما فيه من خير، وتعترف بفضله، وعلى الزوجة أن لا تمنع زوجها من زيارة أهله بدافع الغيرة ، وليكن شعارها: من أحب أحدًا أحب من يحبه.
وهذا يساعد على استقرار الحياة الزوجية ودوام المودة والقربى.

كما على الزوج أيضا أن لا يمتدح امرأة أخرى أمام زوجته فان ذلك مما يؤجج نار الغيرة في صدرها.
فالغيرة كالملح للطعام كثيره يفسد وقليله كذلك يفسد.

أنشد بعضهم في ذلك:
ما أحسن الغيرة في حينها‍ -- وأقبح الغيرة في غير حين
من لم يزل متهما عرسه -- متبعا فيها لقول الظنون
يوشك أن يغريها بالذي ‍-- يخاف أن تبرزها للعيون
حسبك من تحصينها وضعها‍ -- منك إلى عرض صحيح ودين
لا يطعن منك على ريبة ‍-- فيتبع المقرون حبل القرين

([1]) (البخاري في صحيحه ج 2/  ص 724 حديث رقم: 1946).
([2]) (أخرجه أحمد 4/248(18351) و"البُخَارِي" 8/215(6846) و"مسلم"4/211(3757).
([3]) (رواه أبو داود والنسائي وابن حبان).
([4]) (صحيح ) انظر حديث رقم: 1901 في صحيح الجامع.
([5]) (رواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ج: 2 ص: 226  وقال: إسناده صحيح).
([6]) ابن تيمية: الاستقامة ج2 ص 7.
([7]) ابن القيم: روضة المحبين  ص 274.
([8]) صحيح البخاري 3/1397.
([9]) (أخرجه أحمد 6/94).
([10]) تفسير الطبري ج: 20 ص: 63.
([11]) (رواه مسلم).
([12]) الأذكياء لابن الجوزي 94.
([13]) رواه البخاري ج: 5 ص: 2002 ح 4926.
([14]) رواه مسلم (4150).
([15]) (متفق عليه).
([16]) (رواه مسلم).
([17]) الجاحظ: المحاسن والأضداد 228.
بدر عبدالحميد هميسة