مساءلة العقل الأوروبي.. الغرب يعيش تحولا ثقافيا من ثقافة العصر الوسيط تولي عناية أكبر نحو خوصصة العناية بالروح



من المفترض أن تنافس 'المجلة الفلسفية' (philosophie magazine) الفرنسية، على المدى المتوسط والبعيد، ملفات 'المجلة الأدبية' (magazine li'raire) الرصينة، بحكم تخصُّص الأولى في الشأن الفلسفي، مقارنة مع سعة ورحابة الملفات الثقافية التي تصدر في الثانية، والتي يُحسب لها أنها قدّمت خدمات معرفية وازنة للعديد من الأقلام العربية، من مفكرين وباحثين وكتاب وصحافيين، وقلّما نطلع على مجلة فكرية عربية، دون الاطلاع على حوارات أو مقالات مُترجمة من هذه المجلة بالذات.

تكاد تكون 'المجلة الفلسفية' اسما على مسمى، بالصيغة التي نطلع عليها مثلا، في جديد المجلة للشهر الجاري (حزيران / يونيو، العدد 40)، حيث تكريس خيار الاشتغال على السؤال الفلسفي حصرا، لدى المسؤولين في منبر حديث التأسيس نسبيا ( صدرت من ثلاث سنوات، وحصدت العام الماضي، جائزة 'مجلة السنة'، في تصويت تميّز بمشاركة 400 ناشر فرنسي، من مختلف التوجهات الإيديولوجية طبعا).

ومن بين حوارات العدد، نقرأ 'دردشة' سريعة مع الأديب التركي سنغيز أكثر، والذي اشتهر بتحرير 'نداء من أجل العفو'، والنداء يؤسس لحملة أدبية تروم الضغط على صناع القرار في تركيا من أجل الاعتراف بالمجازر التي ارتكبت في غضون سنة 1915 ضد الأرمن، والتي لم تحظ باعتراف دولي سوى من طرف الولايات المتحدة والسويد في آذار ( مارس) الماضي، حيث يرى الأديب أن 'المجتمع التركي قادر على مساءلة القراءة الرسمية للتاريخ'، بالرغم من وجود 'عوائق جمة في مواجهة فقدان الذاكرة الجماعية في تأريخ الأحداث'، مضيفا أن 'إصرار الأتراك على ترويج خطاب المؤامرة ضد وطنهم، أمر بدهي، ولكن، عندما لا نقدر على قول الحقيقة، سوف يتكفل آخرون بذلك'.

كان سؤال الهوية الأوروبية المتذبذبة حاضرا بقوة في العدد، وقد يوجزه بامتياز ما جاء في ثنايا حوار أجرته المجلة مع الروائي جورج سامبرون، ويعتبر أحد 'ضمائر أوروبا الحية'، ويُحذّر الرجل صراحة من أن 'تصاعد أسهم الشعبوية في اليونان وفي العديد من الدول الأوروبية، ومعها أسهم التيارات اليمينية المتطرفة، يجعل القارة العجوز اليوم في حاجة إلى حراك إيديولوجي وأخلاقي جديد'.

من الحوارات المثيرة في العدد، ذلك الذي تمّ مع الباحث الفرنسي من أصل تونسي، مهدي بلحاج بلقاسم، ومع أن أغلب أسئلة الحوار جاءت مُخصّصة لفلسفة رياضة كرة القدم، على هامش انشغال العالم بنهائيات كأس العالم في جنوب إفريقيا، إلا أن الحوار كان مناسبة للتوقف عند مفهوم 'العدمية الديمقراطية' التي اشتهر به الباحث لدى النقاد في فرنسا، من خلال كتابه 'روح العدمية: أنطولوجيا التاريخ' ( والصادر العام الماضي عن منشورات 'فايار' الباريسية)، حيث حذّر الباحث بدوره، من مآلات العمل السياسي في القارة الأوروبية، معتبرا أنه 'لأول مرة في التاريخ ( الغربي تحديدا)، لم تعد السلطة مفصولة فقط عن الإله أو عن أي مرجعية ميتافيزيقية، وإنما أصبحت ترتبط أكثر بتدني سلوك الشعوب وبعاملي الفرجة والتلفاز، وأصبح الجميع، من حكام وشعوب غربية، أشبه بدمى مُتحكّم في سلوكها وعملها ومشروعها'. ( وصفت المجلة الباحث أنه 'فيلسوف في لائحة الاحتياط').

أتحفت المجلة قراءها بملفين اثنين، حيث خُصّص الأول لـ 'تفكيك' سؤال الجمال، من خلال شهادات عن أونغ صان سو كي، المعارضة البورمية الشهيرة، وطوني موريسون، الروائية الأمريكية، وجان مورو، ممثلة فرنسية تكاد تكون أيقونة لدى النقاد الفنيين في 'بلد الأنوار'، والباحثة الإيطالية، من أصل فرنسي، ميشيلا مارزانو، أحد أبرز الأسماء الأوروبية التي اشتغلت على موضوع الجسد، ( لديها أربعة أعمال في الموضوع، لعل أشهرها، كتاب 'البورنوغرافيا، أو إنهاك الرغبة'، إضافة إلى إشرافها على تحرير 'موسوعة الجسد')، وجورج فيغاريلو، مؤلف 'تاريخ الجمال'، وهو مدير الأبحاث في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية ( باريس)، إضافة إلى حوار مطول جمع الكاتب باسكال بروكنر والفنانة إلزا زيلبيشتاين، وبالطبع، حوار مع المفكر أندريه كونت سبونفيل، أحد رموز تيار 'الفلاسفة الجدد'، والذي اشتهر لدى القارئ العربي بكتابه الهام 'هل الرأسمالية أخلاقية؟'، ويُعرف نفسه في أكثر من مقام ومناسبة بأنه 'فيلسوف مادي وملحد'.

أما الملف الثاني، فخُصِّص للاحتفال بميشيل فوكو، عبر مجموعة من المقالات والشهادات، منها شهادة برنارد كوشنير، وزير الخارجية الفرنسي الحالي، إضافة إلى مقالات أو شهادات لكل من بوبير بادينتر، جان دانيال ( مدير أسبوعية 'لونوفيل أوبسرفاتور')، روجي بول دروا، المفكر والناقد الفرنسي اللامع الذي يتحف قراء يومية 'لوموند' بقراءات نقدية نوعية في الملحق الثقافي لليومية، والصادر كل يوم جمعة، آلان فنكركرو، ( 'المثقف / المحامي' الأبرز في الساحة الفرنسية، على جرائم الكيان العبري، في منافسة قائد هذا التيار، برنار هنري ليفي بطبيعة الحال)، جون سيرل، وآخرون.. وجاءت هدية العدد في شكل كُتيب، يتضمن فصلا كاملا من كتاب 'تاريخ الجنس' لفوكو.

أما حوار العدد القيّم، فجاء مع المفكر الأمريكي مايكل والزر، واشتهر بدوره لدى المتتبع العربي بتوقيعه على بيان المثقفين الأمريكيين الشهير، والمدافع عن شن الإدارة الأمريكية الحرب ضد أفغانستان، بعد صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن، ومعلوم أن بيان المثقفين الأمريكيين، إياه، كان مناسبة تاريخية لإطلاع المتلقي والناقد العربي على أهم معالم معركة 'الاشتباك المعرفي' بين المثقفين الأمريكيين ولائحة من المثقفين الألمان واللبنانيين والسعوديين والمغاربة، من الذين تبنّوا خيار الرد على بيان جماعة والزر وفوكوياما، قبل أن يصدر ضده بيان لمثقفين أمريكيين، من 'التيار المضاد' هذه المرة، وجاء تحت عنوان: 'بيان أملاه الضمير: ليس باسمنا'. (جاء رد المثقفين اللبنانيين في مجلة 'الاجتهاد'، في حين جاء بيان المثقفين المغاربة، في مجلة 'المنعطف'، بينما نشرت بيانات المثقفين الألمان والسعوديين والمصريين، في صحف ومواقع إلكترونية، وقد تطرقنا ببعض التفصيل لمعالم هذه المعارك الفكرية في كتاب سيصدر مطلع العام القادم ويحمل عنوان 'زمن الصراع على الإسلام'، عن دار 'صفحات' السورية، وقد اقتبسنا العنوان، من أحد أعمال المفكر اللبناني رضوان السيد، ونقصد بطبيعة الحال كتابه الهام: 'الصراع على الإسلام' والصادر عن دار 'الكتاب العربي' في غضون سنة 2004).

ونقتبس من أهم ثنايا الحوار المطول والممتع أيضا، ذلك الذي أجرته المجلة مع والزر، تأكيده مثلا، على أن الهدف الأسمى من التربية، 'لا يجب أن يخرج على تأهيل الفرد لأن يصبح مواطنا'، أو إقراره بأن 'شرعنة التدخل العسكري ضد دولة مّا، وبالتالي انتهاك حقوق السيادة للدولة المعنية بالغزو، يُصبح ضروريا عندما نصل إلى كوارث إنسانية من حجم ما جرى في كمبوديا أو ما جرى في الحرب الأهلية برواندا' ( شهدت ذروتها في غضون 1994، عبر تورط فرنسي شهير، وقد خصصت شهرية 'إيسبري' Esprit الفرنسية الرصينة، محور عددها هذا الشهر لهذا الموضوع المؤرق لصناع القرار الاستراتيجي في باريس).

كما أقرّ والزر أيضا بأن 'الغرب يعيش تحولا ثقافيا من ثقافة العصر الوسيط، كانت تولي عناية أكبر للاهتمام بالروح على حساب الجسد نحو اتجاه معاكس اليوم، نحو ثقافة تولي عناية أكبر نحو خوصصة العناية بالروح، باعتبارها ليست ذات أهمية كبيرة، ولا تستحق اهتماما نوعيا، مقابل الانتصار للعناية الأكبر بالجسد'.

نحن إزاء مجلة فرنسية موضوعاتية ( th'matique) على غرار باقي المجلات الموضوعاتية في القارة العجوز، وفي المجال التداولي الغربي عموما، في انتظار صحوة صناع القرار الثقافي في المجال التداولي العربي الإسلامي، ولو من باب 'التقليد الشكلي' لما يمكن تقليده في هذا الصدد، بالنظر طبعا إلى دلالات تواضع عدد المجلات الموضوعاتية في الساحة العربية.

منتصر حمادة


0 تعليقات:

إرسال تعليق