-->

البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي.. حميمية العلاقة البيولوجية الأزلية بين البترول العربي والدم العربي

مثل هذا الطرح في الظاهر رومَنْطيقي عاطفي في العموم. وفي الخصوص يمكن أن يكتسب سمة التنظير السوسيو سيكو سياسي. وهو في كِلْتَيْ الحالتين تخصص عربي بامتياز. إذ ْ أنهُ ينم عن السيكولوجية العربية 'النمطية' المعروفة Typical Arabic Psychology، والتي غالبا ما تلجأ إلى ردة فعل عاطفية ما إزاء فعلٍ ما يستهدفها، وغالبا - أيضاً- ما يكون رد الفعل هذا مؤقتا، ثم ما يلبث أن تعود السيكولوجية ذاتها إلى حالة استرخاءٍ، في ترقب فعل ما آخر إزاءها لتعاود كرَّةَ ردة الفعل وهكذا دواليك.
لقد فطن الصهاينة ومن قبلهم أو من بعدهم لا فرق الغرب بشكل عام، لهذه العقلية العربية التي تنتقل بسرعة فائقة من موقع الاسترخاء اللاَّفعل إلى موقع ردة الفعل. والمطالع للمشهد العربي الراهن قد يستنتج هذه الخصيصة العربية الفريدة.
كلنا يذكر إنتفاضة عام 2000 - وهـــذا على سبيل المثال لا الحصر - وكيف جُنِّدت التلفزة الفضائية العربية وعلى مدار الساعة وكيف إنهالت الأموال العربية وهما أو حقيقة تبرع بها أصحابها لأهل فلسطين وبعد أسبوعين برُد كل شيء وكأن فلسطين كلها من النهر إلى البحر قد تم تحريرها. وطبعا لا بد من أن نذكر أن الأموال أو التبرعات 'المتلفزة' تلك في معظمها لم تصل إلى مستحقيها. نحن إذن، كنا وما نزال أقولها بمرارة ضخمة في الفم إزاء الإشكالية نفسها. كان هناك فعل وهو دخول إرييل شارون إلى الحرم القدسي الشريف وتبعا لفعله صدرت منا ردة الفعل المعروفة.
يقول رفائيل باتاي Raphael Patai في كتابه الأشهر'العقل العربي' The Arab Mind وهو دراسة للعقل العربي من زاوية السيكولوجيا الثقافية Cultural Psychology : إن العقل العربي المعاصر على الأقل عقل سلبي Paive أي أنه حالة سلبية متلقية للأفعال لا فاعلا أو باعثا لها. وهو ينتظر فعل الآخر حتى تصدر عنه هذا إذا صدرت ردة فعل (حرب حزيران - مثلا -67 تكرس مثل هذا المفهوم). وقس على ذلك المظاهرات في الشارع العربي واجتماع الحكام في ألأوقات العصيبة معا من منطلق عاطفي مؤقت ، ثم ما يلبثوا أن يتفرقوا بعد أن خفت درجة الفعل الموجه عليهم من الآخر.
في مثل هذا السياق، يمكن الحديث عن الدم العربي في مقابل البترول العربي. أُستشهد الملك العربي السعودي المقاوِم (الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود) عام 1975، بعد أن تجرَّأ وتجاوز الخطوط الحمراء وكسر التابوه السياسي 'العالمي' (المفروض من قِبل اللوبي الصهيوني في الغرب)، بإعلانه الشهير وقف ضخ النفط العربي إلى الغرب في أثناء حرب 1973. ومع أن قرار الوقف كان مقننا ورمزيا وقصيراً، أي أنه لم يخرج عن النمطية العربية المسومة بالعاطفة، غير أنه لفت الإنتباه إلى أن العرب ليسوا خالِيي الوفاض، وإلى أن العرب لديهم أوراقا يمكن أن يستعملوها ويضغطوا بها ولم تكن تلك الورقة سوى عينة ممثلة لها. أو هكذا كان يأمل الشارع العربي.
بَيْدَ أن اللوبي الصهيوني في الغرب، تعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية (The CIA) وقاموا (بغسل مخ) إبن أخ الملك الشهيد والذي كان إسمه (فيصل كذلك) عن طريق صديقته (the girl friend) الصهيونية الأمريكية حسب (الشيخ يماني في حديثه للـ'الجزيرة' عام 2004) ، وأغرياه بقتل عمه.
و منذ إستشهاد الملك الراحل، تم إخراج ورقة النفط من الصراع العربي الصهيوني. وكذلك عندما اطلق (حكيم العرب الشيخ زايد) صرخته الهادئة 'البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي'، لم تغفر الصهيونية ومن ورائها الغرب للشيخ زايد. إن كثيرا من العرب لم ينتبهوا إلى أن الغرب صحيح لم يَغْتَلْ (الشيخ زايد) ولكن العقاب كان أن الغرب لم يحرك ساكنا لمساعدة دولة الإمارات العربية المتحدة لاسترداد جزرها الثلاث من إيران -بأي شكل من الأشكال- أسوة (بتحرير الكويت)، إلى هذا اليوم. وذلك برغم محاولات دولة الإمارات المتعددة والمتكررة، وبرغم وضوح الصورة الاحتلالية لجزرها، وبرغم العَداء السياسي (الظاهر على الأقل) بين إيران والغرب، وبرغم (تَمَصْلُح) الغرب المكثف وغير المحدود من دولة الإمارات ومن شقيقاتها النفطيات في مجلس التعاون الخليجي وبرغم الحضور المكثف للقواعد العسكرية الغربية وبرغم الأفضلية التي تتمتع بها العمالة الغربية والشركات الغربية في دول مجلس التعاون الخليجي. ونطرح تساؤلا هنا: لماَّ كان إحتلالُ الكويت إحتلالاً، أليس إحتلال جزر (أبي موسى وطُنُب الصغرى وطنب الكبرى) منذ عام 1970إحتلالاً؟ أم أنه عادة الغرب المكيافيلية المعروفة وهي الكيل بمكيالين! أم أنه ديمومة العقوبة واستمراريتها، جرَّاءَ مجرد إطلاق (الشيخ زايد) مقولته المشهورة.
والهدف من الواقعتين (لِمَنْ كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) طبعا واضح وهو تحذير أي حاكم عربي من إستعمال ورقة النفط أو غيرها من أوراق الضغط وإلا سيلقى المصير نفسه أو ما يشابهه. غير أن العاطفة وردة الفعل والطبيعة المؤقتة لذيْنك القرارين أو المقولتين كانتا موجودتين ولذلك لم يعبأ الغرب ولم تعبأ إسرائيل بهما.
ولكن، 'شـــــاء من شاء وأبى من أبى'، وبحــــكم عوامـــــل الجغرافيا والتاريخ ستظل العلاقة البيولوجية الأزلية حميمة - إن شاء الله - بين البترول العربي والدم العربي. وأما عوامل السياسة فهي مؤقتة.



إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

تـربـقـافـة

2016