علاقة ثورة العرب في الحجاز بالحركة في العراق.. سعي جمعية العهد العراقي إلى استقلال العراق وتحريره من أية سيطرة أجنبية وربطه بسورية مستقلة في ظل أسرة الملك حسين في الحجاز



كانت لثورة العرب في الحجاز بعض الصدى في إثارة الشعور القومي خلال الحرب ولعل ذلك راجع الى سياسة السلطات البريطانية سنة 1916 التي عمدت الى نشر اخبارها بين القبائل محاولة لتشجيعهم للقيام بوجه العثمانيين، غير انهم لم ينشروا الا النزر اليسير فيما بعد، وبالذات بعد احتلال بغداد، وسيرا مع السياسة التي انتهجتها حكومة الهند، ذهب مفوظفوها الى اقامة علاقات ودية مع العرب لترسيخ اقدامهم، وليس في خلق الشعور العربي القومي الذي قد يصطدم بسياسة بريطانيا.

والحقيقة ان الحسين لم يكن واثقا من سياسة السلطات البريطانية في بغداد، لاعتقاده بسعيها الى ازالة نفوذه او تقليصه في العراق، وهو تبرير ابدى المعتمد البريطاني في جدة ترجيحه إياه، في احدى رسائله الى السير (ونجت) في تموز 1918.

ومع ذلك فإن قسما من الافراد في العراق كانوا على اتصال بالقوة الفعالة المساهمة في احداث سورية والحجاز، وذلك عن طريق الجرائد المصرية التي كانت تتسرب الى البلاد، والرسائل التي كانت تتصل عبر البادية.

إذ كان الكثير من الضباط والجنود الذين ساهموا في الثورة عراقيين، الامر الذي ساعد على انتشارها بشكل لا بأس به ولعل هذا ما يفسر بعض الاشارات التي أوردتها التقارير البريطانية عن وجود نوع من الدعاية الشريفية في بعض مناطق البلاد، رغم عدم فاعليتها كما ورد.

وكان للتيار الشريفي كما يبدو مؤيدوه من الضباط العراقيين الذين كانوا يشكلون أغلب قوات الامير فيصل، أثناء تقدمه نحو الشام.
وقد انتظم هؤلاء في جمعية (العهد العراقي).

في عام 1918، التي كان من جملة أهدافها ـ كما ذهبت المس بيل ـ استقلال العراق وتحريره من أية سيطرة أجنبية وربطه بسورية مستقلة في ظل أسرة الملك حسين في الحجاز.

ولعل الاتصالات التي اجراها قادة ثورة العشرين بالملك حسين ما يمكن ان يلقي ضوءا أكثر حول علاقة الطرفين.

فقد عمد هؤلاء خلال الثورة، وبعد تصلب السلطات البريطانية ورفضها التفاهم معهم الى الاتصال بالحسين واطلاعه على الاوضاع الدائرة في العراق، والأهداف التي كانت تضمرها بريطانيا للبلاد، في محاولة منهم لعرض القضية العراقية في الخارج، بما في ذلك هدفهم في الاستقلال.

وبعث قادة الثورة ممثلهم السيد محمد رضا الشبيبي الى الحسين، وزودوه ببعض المضابط والوثائق التي تضمنت سير القضية العراقية وتواقيع القوى المناهضة للاحتلال من قادة وطنيين الى رؤساء عشائر او رجال دين... إلى جانب مطالبتهم الحسين للتدخل بما يحمل الانكليز للتفاهم وحل القضية حلا يتلاءم ومواقف الشعب العراقي المتمثلة بتاسيس دولة عربية مستقلة يرأسها امير عربي من العائلة الهاشمية.

ويذكر الشبيبي (أن الملك حسين استعظم ذلك وتسلم هذه الاوراق بحذر واحتياط وكأنما يراقبه الانكليز...) أكد له بعدها انه كتب الى ممثله في مؤتمر الصلح عن حقيقة الاوضاع في العراق ومطالب سكانه الوطنية، اضافة الى المضابط المرسلة اليه من السكان انفسهم  في الوقت الذي طمان فيه، قادة الثورة على مطالب العراقيين بإعتبارها مطاليبه.

ولما ضيقت السلطات البريطانية خناقها على رؤساء الثورة لم يجد قسم منهم بدا من اللجوء الى الملك حسين (وهم السيد علوان الياسري، السيد نور، السيد عزيز، السيد محمد جعفر ابو التمن، الحاج صلاح الموح، الحاج مهدي الفاضل، الشيخ شعلان آل جبر، السيد هادي المكوطر، الحاج رايح العطية، محسن ابو طبيخ، مرزوك العواد علوان الحاج سعدون، عمران الحاج سعدون).

وقد سهل لهم الاخير مهمة القدوم الى الحجاز، بعد ان قام امير حايل ـ وبناء على طلب الحسين ـ بإيصالهم الى المدينة حيث نزلوا فيها ـ في 6 نيسان 1921 ـ ضيوفا على الامير علي، الذي اقترح عليهم السفر الى الممكلة للاجتماع بوالده وبأخيه الامير فيصل ـ الذي وصل الحجاز ومعه موافقة بريطانيا على تسنمه عرش العراق ـ وفي مكة طلب الحسين من الزعماء العراقيين مبايعة نجله فيصل ملكا على العراق، بدلا من أخيه عبد الله الذي كان قد رشح من قبل الضباط العراقيين لهذا المنصب.

فلم يمانع الزعماء ذلك وبايعوا فيصلا على عرش العراق وقد اصطحب الاخير عند سفره للعراق خمسة من الزعماء اللاجئين، بينما تخلف البقية لأداء فريضة الحج.

بقي ان نشير اخيرا الى ماذهب اليه احد المسؤولين الانكليز، بأن قسما من النقود التي ساهمت في دعم ثورة العشرين كانت تجهز من قبل الملك حسين مما كان يحتفظ به من الاموال المتبقية من المساعدات المالية البريطانية منذ فترة الحرب.