شعر الصعاليك ومشكلة الانتحال.. اختلاط نسبة بعض المقطوعات والأبيات لأكثر من شاعر واحد. لامية العرب بين الشنفرى وتأبط شرّا



إنّ المشكلة التي تثار حول شعر الصعاليك ذات شقيّن:

الأول: يتعلق باختلاط نسبة بعض المقطوعات والأبيات لأكثر من شاعر واحد.
فالرواة مجمعون على أنها من شعر الصعاليك، لكنهم مختلفون في نسبتها إلى أيّهم؟

وهذا الاختلاف ليس له أهمية كبيرة ، لأننا نتحدث عن ظاهرة عامة، وأن هذا الشعر الذي يستشهد به صحيح يمثلها.

ويكون هذا الأمر مهماً حين نتحدث عن شاعر معين، فيجب حينئذ أن نتثبت من نسبة هذا الشعر حتى نتوصل إلى نتائج صحيحة.

الثاني: يدور حول الشّك في أهم القصائد التي تنسب إلى الشعراء الصعاليك فالجدل يدور حول لاميتين:

- إحداهما تنسب إلى الشنفرى ومطلعها:
أقيموا بني أمّي صدور مطيّكم -- فإني إلـى قوم سواكم لأميل

- والثانية، تنسب لتأبط شرّا، ومطلعها:
انّ بـالشعـب الـذي دون سلع -- لـقتيــلاً دمـه مـا يُطَلّ

والذين يميلون إلى عدم الأخذ بنسبة هاتين القصيدتين إلى هذين الشاعرين يشيرون صراحة إلى أنّ خلفاً الأحمر هو ناظمهما.

وقد تصدى للردّ على هذه المزاعم كثيرون، فأفردوا المقالات المتخصصة، أو خصّصوا صفحات طويلة من كتبهم للدفاع عن هاتين القصيدتين اللتين تُعدان آية من آيات الفن الجاهلي.

والحق أنّ كل لاميّة من هاتين اللامتين تشفّ في كل لمسة فنية عن معاناة إنسانية، بما يقرر أنها نابعة من صميم ذلك الإنسان الذي أبدعها، وان من المستحيل على أي راوية للشعر الجاهلي، مهما بلغ علمه به، أن تبلغ به البراعة حدّ تزوير هذه الأحاسيس والمشاعر، ورسم هذه اللوحات النابضة بالحياة.

وفي هذا يقول الأستاذ يوسف اليوسف:
"من الخطأ أن يكتب شاعر قصيدة خالدة، كاللامية لينسبها إلى رجل آخر، فلماذا لم ينسب خلف الأحمر اللاّمية إلى نفسه، ألأنّ أحداثها تدور في العصر الجاهلي، أو في الصحراء على الأقلّ؟ حسنا. أفما كان بوسع من له طاقة على كتابة اللامية أن يوجّه موضوعها بحيث يتناسب مَعَ عصره، وأحواله الخاصة؟

إنّ خلفاً الأحمر مهما يبالغ في علمه وتفقهه بالعّربية، فلن يستطيع إتقان هذه اللغة كالعرب أنفسهم......
إنّ الممارسات التي يكشفها الشاعر عبر اللاّمية لا يمكن أن يكتب عنها الاّ امرؤ عاشها حقاً. ان خلفاً الأحمر الذي قضى عمره في مدن العراق المتحضرة، يومئذ، لم يكن بوسعه أن يتصور ذئاباً جائعة ومقهورة إلى هذا الحدّ، ولا أن يتصوّر شعره دون ترجيل عاماً كاملاً. لم يكن بوسعه أن يتفاعل هذا التفاعل الذي لا يصدر الاّ عن بدائي يعيش حقاً بين الذئاب، ولا أن يشعر بكونه واحداً من الأراوي التي لم يرها خلفٌ في حياته.

أما مفردات الجوع والعطش والحاجة إلى الطعام والشراب فلا يمكن أن تبرهن الاّ على أن صاحب اللامية قد عانى طويلاً من الجوع والعطش، الأمر الذي لا يمكن أن يكون خلفٌ الأحمر قد عاشه.

لو كان لدى خلف الأحمر القدرة على كتابة قصيدة مثل اللاّمية، لكان شاعراً عظيماً، يستطيع أن يبذّ جميع معاصريه من الشعراء. إن شاعراً هذا شأنه لا يمكن أن يخفى على عصره. كما أن شاعراً أصيلاً له هذه القدرة تأبى دوافعه الجمالية والنفسية الاّ أن يكشف عن شاعريته".

ويذهب المشرفون على موسوعة الشعر العربي إلى ما ذهب إليه عبد الحليم حفني من وجود الصراع الشعوبي، فقالوا: "يجب أن نتنبه إلى أهمية ذلك الصراع الشعوبي العنيف الذي اختفى وراء الفئات الأدبية المتصارعة في الشعر العباسي على ادعاء الأدب الجاهلي والطعن في أصوله وأشخاصه وإبداعاته.

لقد وقفت لامية العرب كأوضح شاهد على أصالة حياة الفروسية الجاهلية، وحضارتها الذاتية، ورقيّها الفكري الخاص، ووجد أنصار الشعوبية في هذه القصيدة الخالدة دليلاً قوياً ينقض ادعاءاتهم، ولذلك فلا عجب أن حاولوا طمس أصلها، وردّها إلى النّحل والزيف...

إن مضمون هذه القصيدة وأسلوب صياغتها المتين المبدع، والحماسة النفسية التي توقد وهجها، كل هذا يجعلها بعيدة عن أن تكون مصنوعة أو منحولة على يد ليست يد شاعر، ولشاعر ليس من الجيل الجاهلي، ولشاعر جاهلي ليس من طائفة الصعاليك".


0 تعليقات:

إرسال تعليق