الهجاء القبلي الجاهلي.. هجاء الأعداء وهجاء القبيلة. سلب الصفات النفسية. المنافسات القبلية التي أورثها السعي وراء الكلأ والماء والحروب المستعرة



نشأ هذا اللون من الهجاء (الهجاء القبلي) نتيجة للأحداث والصراعات التي كان يمور بها العصر الجاهلي، وهو فن قديم "أوجدته المنافسات القبلية التي أورثها السعي وراء الكلأ والماء. كما سعّرته الحروب المستمرة بين القبائل".

ولا يختلف الهجاء القبلي في صوره ومعانيه عن الهجاء الشخصي، إلا أنه أوسع منه دائرة، فكأن الشاعر يحرص على أن يصيب بأذاه القبيلة المهجوة كافة ومن ثم نشأ هذا اللون من الهجاء في أعقاب الحروب.

والهجاء القبلي ضربان: ضرب منه موجه للأعداء، وضرب منه موجه إلى القبيلة نفسها.

هجاء الأعداء:
ومن صوره:

1- تذكير الأعداء بكثرة الايقاع بهم، وبكثرة خسائرهم في الأرواح، وقد فروا من المعركة مخلفين وراءهم جثث قتلاهم، وقد مرّ عليها وقت طويل ،فأصبحت كأنها الخشب، فأقبل عليهما عدوهم فأعمل فيها فأسه تقطيعا ، وتمزيقا.

ومن ذلك ما هجا به ضمرة بن ضمرة النهشلي بني العزّيل، وكان قد أغار عليهم، فقال:
تركت بني العزيل غير فخر
كأن لحاهم ثمغت  بـورس
هرقت دماءهم فشرعت فيها
بسيفي شرب واردة لخمس
كأنهـم على حنفـاء خشب
مصـرعة أخنعها  بفـأس

2- تعيير الأعداء بفرارهم من أرض المعركة تاركين وراءهم بناتهم بيد أعدائهم، وقد شرقن بنجيع الجوف من شدة الضرب، وكانت أعلى درجات الاهانة والذل تلحق بالفارس الذي يهرب من أرض المعركة تاركا ابنته، أو زوجته للأعداء.

وهجا ضمرة بن ضمرة النهشلي أحد أعدائه، وقال:
تركـت ابنتيـك للمغيـرة والقـنا
شوارع والأكماء تشرق بالـدم
عرار الظليم استحقب الركب بيضه
ولم يحم أنفا عند عرس ولا ابنم

3- سلب الصفات النفسية، وهذا أشد أنواع الهجاء ايلاما، فمن ذلك:
أ)- إلصاق الغدر بالأعداء، فقد هجا ضمرة بن ضمرة بني سعد بن عجل، فجعل كهولهم أسعى إلى الغدر من شبابهم، وقال:
إذا كنـت فـي سعد وأمك منهم
غريبا فلا يغررك خالك من سعد
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم
إلى الغدر أسعى شبابهـم المرد

ب)- إناطة اللؤم بهم، ولما كانت طبيعة الحياة في العصر الجاهلي قد حددت المثل والقيم الأخلاقية والأعراف التي كان يؤمن بها الجميع، وينزلونها منزلة الاحترام والتقدير فقد جهد الناس على الالتزام بها، وحاولوا إرضاء الشعراء لكي يتجنبوا هجاءهم، فالهجاء كان موجعا لارتباطه بالقيم الخلقية السائدة في المجتمع الجاهلي، والشاعر يعمد عند هجائه إلى التعيير بذلك، فقال الأسود بن يعفر في هجاء بني نجيح:
يبيت الضيف عند بني نجيح
خميص البطن ليس له طعام
يهـون عليهـم أن يحرموه
إذا حلبوا لقاحهـم ونامـوا

فالشاعر يعير بني نجيح، ويرميهم بالبخل والشحّ وشدة الحرص، فضيفهم يبيت ليلته خميص البطن، ليس له طعام يسد به رمقه، وهم لشدة بخلهم وفرط شحهم يهون عليهم أن يحرموا ضيفهم القرى، رغم امتلاكهم النياق، فهم لئام النفوس، يحلبون لقاحهم، وينامون دون أن يذكروا ضيفهم الجائع.

فالشخص الذي لا يطعم جاره، وينام مليء البطن في الوقت الذي يتضور جاره جوعا يستحق الهجاء.
وكان هذا الشعر يلاقي هوى في نفوس الناس، فيحكمون على مثل هذا الكلام بأنه أهجى بيت قالته العرب.
كما حصل ذلك في هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة وقومه، مما جعل علقمة يبكي حين سمع قوله:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا

4- وقد يكون الهجاء القبلي هجاء دفاعيا، أو وقائيا.
فهو ليس موجها إلى قبيلة بعينها، وإنما يطلقه الشاعر لترتدع القبائل المعادية، ويبعث فيها الفزع. فها هو بشامة بن حزن النهشلي قد نصّب نفسه مدافعا عن قبيلته.

ووجه وعيده إلى الأعداء  فيقول:
ولقد غضبت لخندف ولقيسها
لما ونى عن نصرها خذالها
دافعت عن أعراضها  فمنعتها
ولدي في أمثالهـا أمثالهـا
إني امرؤ أسم القصائد  للعدا
إن القصائد شـرها أغفالها

هجاء القبيلة:
وربما صادف الفرد في قبيلته أمورا تخالف ما اعتاد عليه من قيم وأخلاق، فتأبى عليه نفسه أن يقبل ما ينكره، ولو كان صادرا عن القوم الذين يمجدهم، ويعلي من مكانتهم، فإذا هو يثور في وجوههم، ويعلن خروجه على نهجهم وسلوكهم، على نحو ما فعل لبيد بن ربيعة، الذي رفض كل ما من شأنه أن يشوه صورة القوم في نفسه، وذلك في قوله:
هم قومـي وقد انكرت منهـم
شمائل بدلوها من شمـالي
يغار على البـري بغـير ظلم
ويفضح ذو الأمانة  والدلال
وأسرع  في الفواحش كل طمل
يجر المخزيات ولا يبـالي
أطعتـم أمــره فـتبعتمـوه
ويأتي الغي منقطع العقـال

ولقد حرص العربي منذ نشأته الأولى على السمعة الحسنة والذكر الحميد، فنزع إلى التعلق بالشرف والأرومة، وتمسك بطيب النسب، فافتخر به، وأشاد بذكره، لأنه كان يمثل قومية العربي في تلك الفترة. وهو يظهر حزنه إذا تفرق قومه وتبدد شملهم ، وتشتت أمرهم بعد الاتحاد والعزة والقدرة، ويدفعه ذلك إلى هجائهم إذا وجد فيهم رضوخا لدفع الديّات، وقبولا بتسليم الضرائب الثقيلة والأتاوات الباهظة.

فهذا جابر بن حني التغلبي يلوم قومه، فيقول:
لتغلب أبكي إذ أثـارت رماحـها
غوائـل شـر بينهـا  متثلـم
وكانوا هـم البانيـن قبل اختلافهم
ومن لا يشـد بنيانـه يتهـدم
إذا نزلوا الثغر المخوف تواضعت
مخارمـه واحتلـه ذو المقـدم
أنفت لهم من عقـل قيس ومرثد
إذا وردوا ماء ورمح ابن هرثم
وفي كـل أسواق العـراق إتاوة
وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
ويومـا لدى الحشـار من يلو حقه
يبزبـز وينـزع ثوبـه ويلطم

ويرينا الشعر أن ثمة أمرا آخر قد يحدث للفرد فتثور نفسه سخطا وغضبا على قومه، وهو ان تغير قبيلة عليه، فتغنم منه، فيطلب العون من قبيلته فيتثاقلون عن نصرته.

ومن ذلك ما عبر عنه قريط بن أنيف العنبري، إذ أغار عليه بنو اللقيطة، واستاقوا إبلا له فاستنجد قومه فلم ينجدوه، واستنجد اقرباء بعيدين له من بني مازن فأنجدوه، وأغاروا على بني اللقيطة، وأعادوا له أكثر إبله التي فقدها، فقال يمدحهم ويذم قومه ويسخر منهم:
لو كنت من مازن لم تستبح  إبلي
بنو اللقيطة من ذهل بن  شيبـانا
إذا لقام بنصري معشـر خشـن
عند الحفيظــة إن ذو لوثة لانا
قوم إذا الشر ابدى  ناجذيـه لهم
طاروا إليـه زرافـات ووحـدانا
لا يسألون أخـاهم حيـن يندبهم
في النائبات على ما قال برهـانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
ومـن إسـاءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لـم يخلـق لخشيتـه
سواهم من جميـع النـاس إنسانا