شرح وتحليل قصيدة الشرف الرفيع للشاعر أبي العلاء المعري



تحليل قصيدة الشرف الرفيع

الفكرة الأولى:

نظرة أبي العلاء إلى الحياة

1- أرى العنقاء تكْبُرُ أن تُصادا -- فعانِدْ مَنْ تُطيقُ له عنادا

التصوير الفني:

شبه الحياة بطائر العنقاء فحذف المشبه "الحياة" وصرح بالمشبه به "العنقاء" على سبيل الاستعارة التصريحية.

الحياة صعبة لايمكن للإنسان أن يتغلب على مصاعبها فهي تشبه طائر العنقاء الذي لا يستطيع احد اصطياده، فعلى الإنسان أن يكون شجاعا يواجه مصاعب الحياة، ويعاند من يستطيع عناده حتى يصل إلى هدفه.

2- وما نَهْنَهْتُ عن طلبٍ ولكن -- هي الأيامُ لا تُعطي قيادا
 الشاعر مستمر بتحدي مصاعب الحياة لا يكف عن العمل والطموح، إلا انه وجد الأيام صعبة تأبى أن تعطي القيادة للناس.

3- ولّما أن تجهَّمني مُرادي -- جريْت مع الزمانِ كما أرادا
عندما لم استطع أن ابلغ مرادي وما سعيت إليه في هذه الدنيا، تعاملت مع هذه الحياة بواقعية وسعيت معها كما تريد لان الحياة لا تعاند

4- وهوَّنْتُ الخطوبَ عليَّ حتى -- كأني صِرْتُ أمنحُها الوِداد

الصورة الفنية:

صور الخطوب بصورة إنسان يمنحه المحبة فحذف المشبه به وهو"الإنسان" وذكر شيئا من لوازمه "الوداد"على سبيل الاستعارة المكنية.

من كثرة مايتوالي على الشاعر من هموم ومصائب اعتاد عليها وهانت على نفسه حتى أصبحت جزءأً من حياته يمنحها الحب والوداد كأنها حبيبة يعشقها.

5- أأُنكِرُها ومنبِتُها فؤادي -- وكيفَ تُناكِرُ الأرضُ القَتَادا

الصورة الفنية:
تشبيه ضمني شبه حال عدم إنكاره للخطوب التي تسكن فيه، بحال الأرض التي لا تنكر القتاد لأن منبته فيها.

يتساءل الشاعر متعجبا بأنه لا يستطيع إنكار الهموم والمصائب لأنها نابعة وملازمه لقلبه فهي جزء منه، كالأرض التي لا تتنكر لأشواكها السيئة لان منبتها فيها.

الفكرة الثانية:

قيم ومُثل عليا للتعامل مع الآخرين:

6- فأيُّ الناسِ أجعلُهُ صديقاً -- وأيُّ الأرضِ أسلُكُها ارتيادا
يتعجب الشاعر ويعبر عن حيرته باختيار الأصدقاء لان القليل منه يكون وفيا، وعدم قدرته سلوك الأرض لأنها تعانده.

7- ولو أنّي حُبْيتُ الخُلد فردا -- لما أحببْتُ بالخلد انفرادا
يعبر الشاعر عن قيم ومثل عليا في معاملة الآخرين كالإيثار وحب الخير وعدم الأنانية، فيقول بأنه لو مُنِح الجنة بمفرده لما أحب أن  يكون وحيدا.  

8- فلا هَطَلَتْ عليَّ ولا بأرضي -- سحائبُ ليس تَنْتَظِمُ البلادا
يدعو الشاعر أن يعم الخير ويهطل المطر على جميع البلاد دلالة على إيثاره، وحب الخير للآخرين.

الفكرة الثالثة:

افتخار الشاعر بنفسه، وبيان مفاخره.
9- ليَ الشرفُ الذي يطأُ الثريّا -- مع الفضل الذي بَهرَ العبادا  

الصورة الفنية:

شبه الشرف بصورة كائن حي يمشي فحذف المشبه به" كائن حي" وذكر شيء من لوازمه" يطأُ" على سبيل الاستعارة المكنية.

يفتخر الشاعر بنفسه ويبن مكانته العالية، حيث أن شرفه الرفيع وصل النجوم في السماء، كما أن فضله عمّ على العباد وغمرهم.

10- وكَمْ عينٍ تُؤمِّل أن تراني -- وتفقِدُ عند رؤيتيَ السّوادا
عيون كثيرة تعقد الأمل على رؤيتي، ولكنها عند رؤيتي تفقد النظر ابتهاجا وإعجابا بشخصيتي.

11- ولي نفسٌ تُحلُّ بيَ الروابي -- وتأبى أن تُحلَّ بي الوِهادا
الشاعر مكانته مرتفعة ، قيمته عالية، فنفسه تحل دائما في المناطق المرتفعة وترفض أن تحل في المناطق المنخفضة.

12- تَمدُّ لتقبِض القمرين كفَّا -- وَتحْمِلُ كي تَبُذَّ النَّجمَ زادا
تمتد يده لتقبض الشمس والقمر وتحمل زادا حتى تتفوق على النجم وتعلو عليه، دلالة على مكانته العالية.

قصيدة الشرف الرفيع للشاعر أبي العلاء المعري كاملة:

أرى العَـنْـقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا
فـعـانِـدْ مَـنْ تُـطـيـقُ لهُ عِـنادا
ومــا نَهْــنَهَــتُ عــن طَـلَبٍ ولكِـنْ
هـيَ الأيّـامُ لا تُـعْـطـي قِـيادا
فـلا تَـلُمِ السّـوابِـقَ والمَطايا
إذا غَــرَضٌ مــن الأغـراضِ حـادا
لعَــلّكَ أنْ تَــشُــنّ بـهـا مَـغـاراً
فــتُـنْـجِـحَ أو تُـجَـشّـمَهـا طِـرادا
مُــقــارِعَــةً أحِـجّـتَهـا العَـوالي
مُــجَــنّـبَـةً نَـواظِـرَهـا الرّقـادا
نَــلومُ عــلى تَــبـلّدِهـا قُـلوبـاً
تُـكـابِـدُ مـن مَـعـيـشَـتِها جِهادا
إذا ما النّارُ لم تُطْعَمْ ضِراماً
فــأوْشِـكْ أنْ تَـمُـرَّ بـهـا رَمـادا
فــظُــنّ بــســائِرِ الإخْـوانِ شَـرّاً
ولا تــأمَــنْ عــلى سِــرٍّ فُــؤادا
فـلو خَـبَـرَتْهُـمُ الجَـوزاءُ خُـبْري
لَمـا طَـلَعَـتْ مَـخـافَـةَ أن تُكادا
تَــجَـنّـبْـتُ الأنـامَ فـلا أُواخـي
وزِدْتُ عــن العـدُوّ فـمـا أُعـادى
ولمّــا أنْ تَــجَهّــمَــنــي مُــرادي
جَـرَيْـتُ مـعَ الزّمـانِ كما أرادا
وهَــوَّنْــتُ الخُــطــوبَ عــليّ حـتـى
كـأنـي صِـرتُ أمْـنـحُهـا الوِدادا
أَأُنْــكِــرُهـا ومَـنْـبِـتُهـا فـؤادي
وكـيـفَ تُـنـاكِرُ الأرضُ القَتادا
فــأيّ النّــاسِ أجْــعَـلُهُ صَـديـقـا
وأيّ الأرضِ أسْــلُكُهُ ارْتِــيــادا
ولو أنّ النّــــجـــومَ لديّ مـــالٌ
نَـفَـتْ كَـفّـايَ أكْـثـرَها انْتِقادا
كــأنــي فـي لِسـانِ الدهْـرِ لَفْـظٌ
تَــضَـمّـنَ مـنـه أغْـراضـاً بِـعـادا
يُــكَــرّرُنــي ليَــفَهَــمَــنـي رِجـالٌ
كـمـا كَـرّرْتَ مَـعْـنـىً مُـسْـتَـعـادا
ولو أنّـي حُـبِـيـتُ الخُـلْدَ فَـرْداً
لمَـا أحـبَـبْـتُ بالخُلْدِ انفِرادا
فــلا هَــطَـلَتْ عَـلَيّ ولا بـأرْضـي
سَـحـائبُ ليـسَ تـنْـتَـظِمُ البِلادا
وكــم مِـن طـالِبٍ أمَـدي سـيَـلْقـى
دُوَيْـنَ مَـكـانـيَ السبْعَ الشّدادا
يُـؤجِّجـُ فـي شُـعـاعِ الشـمسِ ناراً
ويَــقْــدَحُ فــي تَـلَهّـبِهـا زِنـادا
ويَـطْـعَـنُ فـي عُـلايَ وإنّ شِـسْـعـي
لَيَــأنَــفُ أن يـكـونَ له نِـجـادا
ويُـــظْهِـــرُ لي مَــوَدّتَهُ مَــقــالا
ويُـبْـغِـضُـنـي ضَـمـيـراً واعْتِقادا
فـلا وأبـيكَ ما أخْشَى انتِقاضاً
ولا وأبـيـكَ ما أرْجو ازْديادا
ليَ الشّـرَفُ الّذي يَـطَـأُ الثُـريّا
مـعَ الفَـضْلِ الذي بَهَرَ العِبادا
وكــم عَــيْــنٍ تُـؤَمّـلُ أن تَـرانـي
وتَـفْـقِـدُ عـنـدَ رؤيَـتِيَ السّوادا
ولو مَـلأ السُّهـى عَـيْـنَـيْهِ مِـنّي
أَبَـــرَّ عـــلى مَــدَى زُحَــلٍ وزادا
أفُـــلّ نَـــوائبَ الأيــامِ وحْــدي
إذا جَـمَـعَـتْ كَـتائِبَها احْتِشادا
وقــدْ أَثْــبَــتُّ رِجْــلي فـي رِكـابٍ
جَــعَـلْتُ مـن الزَّمـاعِ له بَـدَادا
إذا أوْطَــأتُهــا قَــدَمَــيْ سُهَـيْـلٍ
فـلا سُـقِـيَـتْ خُـنـاصِرَةُ العِهادا
كــأنّ ظِــمــاءَهُــنّ بــنــاتُ نَـعْـشٍ
يَرِدْنَ إذا وَرَدنا بِنا الثِّمادا
سـتَـعْـجَـبُ مـن تَـغَـشْـمُـرِهـا لَيالٍ
تُــبــارِيـنـا كـواكـبُهـا سُهـادا
كـأنّ فِـجـاجَهـا فَـقَـدَتْ حَـبـيـبـاً
فــصَــيّـرَتِ الظّـلامَ لهـا حِـدادا
وقـد كـتَـبَ الضّـريبُ بها سُطوراً
فــخِــلْتَ الأرضَ لابِـسَـةً بِـجـادا
كــأنّ الزِّبْــرِقــانَ بـهـا أسـيـرٌ
تُــجُــنِّبــَ لا يُـفَـكُّ ولا يُـفـادى
وبـعـضُ الظـاعِـنـيـنَ كـقَـرْنِ شَمْسٍ
يَـغـيـبُ فـإنْ أضاء الفَجْرُ عادا
ولكِــنّــي الشّــبــابُ إذا تَــوَلّى
فــجَهْــلٌ أنْ تَـرومَ له ارْتِـدادا
وأحْــسَـبُ أنّ قَـلْبـي لو عَـصـانـي
فَـعـاوَدَ مـا وَجَـدْتُ له افْتِقادا
تـــذكَّرْتُ البِـــداوَةَ فــي أُنــاسٍ
تَــخـالُ رَبـيـعَهُـمْ سَـنَـةً جَـمـادا
يَــصــيــدونَ الفَــوَارِسَ كـلَّ يـومٍ
كـمـا تَـتَـصَـيّـدُ الأُسْدُ النِّقادا
طــلَعْــتُ عـليـهِـمْ واليـوْمُ طِـفْـلٌ
كــأنّ عــلى مَــشــارِقِهِ جِــســادا
إذا نَـزَلَ الضّـيوفُ ولم يُريحُوا
كـرامَ سَـوامِهمْ عَقَروا الجِيادا
بُـنـاةُ الشِّعـْرِ مـا أكْفَوْا رَوِيّاً
ولا عَرَفوا الإجازَةَ والسِّنادا
عَهِــدْتُ لأحْـسَـنِ الحَـيّـيْـنِ وَجْهـاً
وأوْهَــبِهِــمْ طـريـفـاً أو تِـلادا
وأطْــوَلِهِــمْ إذا ركِـبـوا قَـنـاةً
وأرْفَــعِهِـمْ إذا نـزَلوا عِـمـادا
فـتـىً يَهَبُ اللُّجَيْنَ المَحضَ جوداً
ويَــدَّخِــرُ الحــديــدَ له عَـتـادا
ويَـلْبَـسُ مـن جُـلودِ عِـداهُ سِـبْتاً
ويَــرْفَـعُ مـن رُؤوسِهِـمُ النِّضـَادا
أبَــنَّ الغَــزْوَ مُـكْـتَهِـلاً وبَـدْرا
وعُــوّدَ أنْ يَــســودَ ولا يُـسـادا
جَهــولٌ بـالمَـنـاسِـكِ ليـس يَـدري
أغَــيّـاً بـاتَ يَـفْـعَـلُ أم رَشـادا
طَـمـوحُ السّـيـفِ لا يـخْـشَى إلهاً
ولا يَـرجـو القِيامَةَ والمَعادا
ويَـغْـبِـقُ أهْـلَهُ لبَـنَ الصّـفـايـا
ويَـمْـنَـحُ قَـوْتَ مُهْـجَـتِهِ الجَوادا
يَــذودُ سَــخــاؤُهَ الأذْوادَ عـنـه
ويُـحْـسِـنُ عـن حـرائِبِهِ الذِّيـادا
يَــرُدّ بــتُـرْسِهِ النّـكْـبـاءَ عـنّـي
ويــجْــعَــلُ دِرْعَهُ تـحْـتـي مِهـادا
فــبِــتُّ وإنّــمــا ألْقَــى خَـيَـالاً
كـمَـنْ يَـلْقَـى الأسِنّةَ والصِّعادا
وأطْـلَسَ مُـخْـلِقِ السِّرْبـالِ يَـبْـغي
نَــوافِـلَنـا صَـلاحـاً أو فَـسـادا
كــأنّــي إذْ نَــبَـذْتُ له عِـصـامـاً
وَهَـبْـتُ له المَـطِـيّـةَ والمَـزَادا
وبَالي الجِسْمِ كالذّكَرِ اليَماني
أفُـلّ بـه اليَـمـانِـيَـةَ الحِدادا
طَـرَحْـتُ له الوَضِـيـنَ فـخِـلْتُ أني
طـرَحْـتُ له الحَـشِـيّـةَ والوِسـادا
وَلي نَــفْــسٌ تَـحُـلّ بـيَ الرّوابـي
وتـأبَـى أنْ تَـحُـلّ بـيَ الوِهـادا
تَـمُـدّ لتَـقْـبِـضَ القَـمَـرَيـنِ كَـفّـا
وتَـحْـمِـلُ كـيْ تَـبُـذّ النجْمَ زادا