مفهوم الصورة الشعرية عند القدماء.. تَوَخِّي معاني النحو التي تخلق التفاعل و النماء داخل السياق



لقد كانت الصورة الشعرية وما تزال موضوعا مخصوصا بالمدح و الثناء, ولها من الحظوة بمكان، والعجيب أن يكون هذا موضع إجماع بين نقاد ينتمون إلى عصور وثقافات متنوعة، فهذا "أرسطو" يميزها عن باقي الأساليب بالتشريف، فيقول: (ولكن أعظم الأساليب حقا هو أسلوب الاستعارة... وهو آية الموهبة) (1). 

ومما تقدم نخلص إلى أن "أرسطو" يربط الصورة بإحدى طرق المحاكاة الثلاث، ويعمِّق الصلة بين الشعر والرسام، فإذا كان الرسام وهو فنان يستعمل الريشة والألوان، فإن الشاعر يستعمل الألفاظ والمفردات ويصوغها في قالب فني مؤثر يترك أثره في المتلقي.
وحتى تكون الصورة حية في النص الأدبي، لها ما لها من مفعول وتأثير، فلا بد لها من خيال يخرجها من النمطية والتقرير والمباشرة.

فالخيال هو الذي يحلِّق بالقارئ في الآفاق الرحبة، ويخلق له دنيا جديدة، وعوامل لا مرئية تخرجه من العزلة والتقوقع.

فالخيال الذي يرى فيه "سقراط" نوعا من الجنون العلوي، والأمر نفسه عند "أفلاطون" الذي كان يعتقد (أن الشعراء مسكونون بالأرواح، وهذه الأرواح من الممكن أن تكون خيِّرة كما يمكن أن تكون أرواحا شرِّيرة) (2).

وهذا الاعتقاد بأن الشاعر مهووس، وله علاقة بالأرواح والجن، له أثره في الشعر العربي القديم، فقد نُسِب إلى الشعراء المجيدين أن أرواحهم ممزوجة بالجن، كما نُسبوا إلى (وادي عبقر) الذي تسكنه الجن حسب اعتقادهم وزعمهم، وكان وراء كل شاعر مجيد جِنٌّ يسنده ويلهمه.

لقد أخذ العرب القدماء مفهوم الصورة مع الفلسفة اليونانية، وبالذات الفلسفة الأرسطية، وجرَّهُم فصل "أرسطو" بين الصورة والهُيُولي (مادة يصعب الإمساك بها) إلى الفصل بين اللفظ والمعنى في تفسير القرآن الكريم، وسرعان ما انتقل هذا الفصل بين اللفظ والمعنى إلى الشعر الذي يُعَد من الشواهد في تفسير القرآن الكريم على حد تعبير الدكتور"علي البطل" (3) "فأبو هلال العسكري" يعلنها صراحة (الألفاظ أجساد و المعاني أرواح)(4).

أما "الجاحظ "فيرى (أن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، و في صحة الطبع وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير) (5).

ويرى الدكتور "فايز الداية" أن "السكّاكي" في كتابه (مفتاح العلوم) اهتم كثيرا بالتفريعات، وأهمل الأصول وكذا النصوص الإبداعية، فكانت جهود السكّاكي رغم أهميتها عبارة عن تقنين وتقعيد بعيدا عن جوهر البلاغة وروحها.

وهذا ما يلاحظه كثير من علماء البلاغة الذين جاءوا من بعد "السكاكي"، وكل دارس تعامل مع الكتب البلاغية القديمة (وهذا مما أثر سلبا في الإنتاج الأدبي الذي لم يجد من يُقوِّمُهُ ويُبَيِّنُ أَلَقَهُ)(6).

وضمن هذا الجو الذي اختلطت فيه القيم النقدية، وضاعت فيه المفاهيم البلاغية الجوهرية، وضع "عبد القاهر الجرجاني" القواعد الأساسية في البناء النقدي العربي من خلال فهمه لطبيعة الصورة، التي هي عنده مرادفة للنظم أو الصياغة، فنظرية النظم عنده لا تعني رصف الألفاظ بعضها بجانب بعض بقدر ما تعني تَوَخِّي معاني النحو التي تخلق التفاعل و النماء داخل السياق.

 فالصورة إذًا حسب نظرية النظم مرتبطة ارتباطا وثيقا بالصياغة، وليس غريبا أن يراوح النقد العربي مكانه ويهتم بالشكليات والتفريعات و التقنين والتقعيد لمختلف العلوم وبخاصة البلاغية منها، "فالجاحظ" يرى أن الشعر ضرب من التصوير بينما نجد "قدامة بن جعفر" قد فتح الباب واسعا أمام المنطق في الشعر، وبالتالي صار مفهوم الصورة متأثرا بهذه الثقافة النقدية حيث أصبحت مقصودة لذاتها، أي أنها غاية وليست وسيلة لفهم الشعر وإبراز جمالياته للمتلقي. فكانت الصورة عندهم (القدماء) جزئية لا كاملة، فهي لا تتعدى كونها استعارة و تشبيها وكناية وغيرها من علوم البلاغة التي تهتم بتنميق المعنى ليس إلا.

وفي ظل هذا الموروث بادر "عبد القاهر الجرجاني" إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة ووضع الأصول الصحيحة، لتغيير ما هو سائد عند سابقيه، (فلم يتعمَّق أحد من النقاد العرب القدماء ما تعمَّقه عبد القاهر الجرجاني في فهم الصورة معتمدا في كل ذلك أساسا على فكرته على عقد الصلة بين الشعر و الفنون النفعية و طرق النقش و التصوير) (7).

(1)- أرسطو: فن الشعر - ترجمة محمد شكري عياد - دار الكتاب العربي - القاهرة - 1967 - ص128.
(2)- إحسّان عباس: فن الشعر - دار الثقافة - بيروت - ط2- 1959 -ص141.
(3)- علي البطل: الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري - دراسة في أصولها وتطورها -دار الأندلس -بيروت - ط3-1983 - ص15.
(4)- أبو هلال العسكري: الصناعتين, الكتابة والشعر –تحقيق مفيد قميحة -دار الكتب العلمية -بيروت -ط2-1984 -ص167.
(5)- الجاحظ: عمرو بن بحر - الحيوان -تحقيق عبد السلام هارون- مكتبة الخانجي -القاهرة - د.ت - 3/131-132.
(6)- فايز الداية: جماليات الأسلوب -ص13.
(7)- محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث - دار الثقافة ودار العودة -بيروت-1973-ص 168.