ثنائية الموضوع الرومانسي والوعي الجمالي التقليدي في مجموعة (أسراب الطيور المهاجرة) لأحمد سالم باعطب



أريد أن أبدأ قراءتي لمجموعة (أسراب الطيور المهاجرة) لأحمد سالم باعطب بالإشارة إلى أن الكاتب أثبتَ في صدرِ المجموعة جملةً من الآراء النقدية التي قيلت في شعره لنقّاد نقدّرهم ونحترمهم. لكن المشكلةَ في تلك الآراء أنهـا تدخلُ ضمن مايمكن تسميته (بالنقد المجامل، أو المحابي) الذي لايَعرِف سوى الإطراء.
وأكتفي بإيراد الجملة التالية لأحدهم للتدليل على ذلك حيث يقول: (أحمد سالم باعطب شاعر وشاعر وشاعر).

فماذا يعني هذا القول وما علاقته بالنقد؟، ولماذا يُثبِتُ الشاعر هذا القول وغيره مما هو في مستواه؟
أليصادر على القارىء موقفه مما سيقرأ، أم يريد أن يفرض عليه شكلاً من التلقّي يختاره هو بنفسه؟
أم أنه يريد أن يغطّي عجزاً في مجموعته؟

أعتقد أن مثل هذا الأمر يُسيء إلى النقد والإبداع معاً أكثر مما يفيدهما.
وأود الإشارة إلى أن إثبات مثل هذا النوع من (النقد المحابي) في أول المجموعات الشعرية ظاهرةٌ مَرَضيّةٌ عامة، ولاتخص مجموعة سالم باعطب فحسب.

تحكم مجموعة (أسراب الطيور المهاجرة)  خمسة محاور:

الأول: الشـعار السياسي:
يتناول الكاتب - في هذا الحقل - مواقف سياسية طارئة، ويروي أطرافاً منها بطريقة لاتخلو مـن السذاجة، ثم يعالجها بردود أفعال صاخبة.

والمشكلة العالقة في مثل هذا النوع من الكتابة أنه يرتبط بحدث مرحلي ينتهي مفعول النص فيه بانتهاء هذا الحدث.
وأخطر ما في هذه المشكلة انجرارُ النصوص المنطقي إلى الخطابية والتقريرية والمباشرة والهتاف، وهذه العناصر الأربعة عدوّة للشعر حيث تجعله أقربَ إلى النثر المهتوف، وتكرّس القطيعة بينه وبين الطبيعة الجمالية للشعر.

إن الشعر يعتمد على النمذجة والتعميم، وإذا ماتطرّق إلى حـدث جزئي أو كلي مرحلي أو دائم فإنه يرتقي به عبر الصورة الفنية الحية فينمذجه ويعمّمه.
والشعر بهذا المعنى مرتبـط بالاستمرار ولا يزول بزوال الحـدث.

يقول الكاتب في نص (لص بغداد):
 قفْ حيثُ أنتَ وما صنعتَ وما عسى -- أهديتَنا الغبراءَ منكَ وداحسَا
 لِـمَ بعتَ فـي سوقِ المزاد عروبتي -- وتركتَني أرِدُ المحافـلَ يائسا
أشعلتَ نـارَ الحقدِ ثـم عبدتَها -- وأَقمْـتَ أنديـةً لها ومدارسَا
يا أيهـا الرجـلُ المريـضُ تقيَّحتْ --  خُطواتُ عمرِكَ ريبةً ووسَاوسا
ومن النصوص التي تدخل في هذا الحيّز: (لص بغداد، رسالة إلى كابول، إليكِ ياسيدتي العظيمة، بطولة العصي والحجـارة، حمالة الحطب، إلـى الشاعر العربي).

الثاني: تبنّي البناء العمودي:
وخطـاب هذا البناء ينسجم وطبيعة (الشعار السياسي).
لايشك من يقرأ مجموعة (أسراب الطيور المهاجرة) بتمكّن الشاعر أحمد باعطب من البناء العمودي.
فهو - قياساً إلى المرحلة التي ينتمي إليها شعرُه أعني مرحلة مابين الحربين - شاعر يُجيد التعامل مع العمود.
ولكن إجادة العمود شيء وتجاوزه شيء آخر.
فالمجموعة على الرغم من أنها تتضمن نصوصاً كُتبت في مرحلتنا الراهنة، لكنها تجترُّ شكلَ العمود وروح تلك المرحلة.

سؤالي هنا: ماذا يمكن أن يقدّم مثل هذا النوع من الشعر وهو يُعلن عن انتمائه إلى مرحلة أخرى بعيدة، فإذا كان الشاعر يكتب لأناس عاشوا في زمن آخر، ويعبّر عنهم، ويتبنى وعيَهم متجاهلاً ما حوله، فينبغي عليه ألا يلوم من لايتفاعل معه اليوم .

يقول الشاعر وهو يفخر على النمط العمودي:
لاتسألي مَنْ أنا في عالمٍ صرختْ -- به السّبائكُ من مستودعٍ خَرِبِ
أنا ابنُ حرٍّ يُحاذي الشمسَ منكبُه -- أنا ابنُ أنثى تُسمّى أمةَ العربِ
والسلمُ رائـدُنا في كلِّ معتَركٍ -- نجلو بـه صدأَ الأيامِ والحِقَبِ
فنحنُ للعـدلِ عنـوانٌ  يتيهُ  به -- ونحنُ بالسلمِ نبضٌ في الدمِ العربي

نخلص مما سبق إلى أمرين:
أولهما : لم يتخـط الشاعر - فيما كتبه في هذه المجموعة - المرحلـة التي أشرنا إليها.
وثانيهما :لم يُضِفْ شيئاً جديداً مميزاً إلى تاريخ الحركة الشعرية المعاصرة.

الثالث: تجاهـل الذات للآخر:
وهذا التجاهل يأتي نتيجة منطقية للمحورين السابقين.
فمن الطبيعي أن يتم تجاهل (الذات) أمام الطبيعة الموضوعية التي يتطلبها (الشعار السياسي)، ومنطق الرؤية الذي يحكم (البناء المعماري العمودي).

الرابع: الانشغال بالهم الإنسـاني العام على حساب ماهو محلّي:
إن السعي إلى صيد الغزلان في ملاعب النجوم، والبحث عن اللؤلؤ في قيعان البحيرات المتجمدة، والخطاب الشفوي يدفـع إلى تبني ماهو خارج الخارج أعني الهم البعيد.
فهو يبحث عن خصوصيته بعيداً ذاته أولاً ومحيطه ثانياً.

يقول في رسالة إلى كابول:
لم يبقَ من حُصَصِ الميراثِ  يا دارُ -- إلاخِـرافٌ هزيـلاتٌ وجـزّارُ
وارَيتِ جثمانَ مَن تهوينَ خاشعةً -- وعُدتِ والحزنُ في الأحشاءِ موّارُ
كابـولُ يُبْصِرُ فيكِ المجدُ مهجتَهُ -- كلمى  يمزّقهـا هـمٌّ وتذكـارُ
كابولُ إنـا رفعنا الأمسَ ألويةً -- تمخّضتْ شُـهُبٌ عنهـا وأقمارُ
أنى التفتْنا رأينـا الأفقَ معتكِراً -- متى يطوفُ على هاماتِكِ الغارُ

خامساً: تنتمي المجموعة دلالياً إلى رومانسية مابين الحربين (رومانسية التحريض) والألم:
وهي تُذَكِّرُ بهذا المعنى - مع التحفظ على الشكل الجمالي - بأبي القاسم الشابي وعمر أبو ريشة وعبدالسلام عيون السود.

ولكن الفرق بين ما كتبه الشاعر أبو عطب وبين ما كتبه هؤلاء أنهم قرؤوا العالم من خلال ذواتهم ضمن شكل جمالي ينسجم وطبيعة هذه القراءة؛ أعني المناخ الرومانسي، أما هو فقرأ ذاتَه من خلال العالم ضمن شكل جمالي ينسجم والبناء المعماري العمودي.

لذلك يبدو القلق كبيراً في مجموعته بين تيارين شديدي التناقض: فهو يستحضر القيـم الرومانسية من جهة، ويقدّمها من خلال البناء المعماري  العمودي من جهة أخرى، ولاأعني هنا الوزن والقافية بل (مضمون العمود ووعيه).

من ذلك مثلاً استحضار الكاتب لمفهوم (البطولي) الذي كان سائداً في مرحلة مابين الحربين لدى الرومانسيين، والتعبير عنه بوعي العمود ومضمونه:
لمَ تسألينَ عن المدجّجِ بالبطولةِ من يكونْ؟
الممتطي ظهرَ الخطوبِ يجوبُ أحداقَ العيونْ
تزهو به مُهَجُ الدروبِ وتستضيءُ به السنونْ
ينقضُّ   كالإعصارِ يهزأ بالحواجزِ والحصونْ
لاتسألي   فأنا الشهيدُ أضاعني الزمنُ الحرون
وأنا سفيرُ عروبتي بين المقابرِ والسجون

وللكاتب أيضاً نصٌّ بعنوان (موت الضميرص 38)، وهو يجري على نسق نص عمر أبو ريشة (نسر) مع ملاحظة الفارق الذي ذكرناه.
 
يختم الشاعر باعطب مجموعته بسبعة نصوص كُتبت على نمط التفعيلة.
ونجد أن هذه النصوص لا ترتقي إلى مستوى الشعر العمودي الذي كتبه الشاعر، بل هي أقرب إلى النثر منها إلى الشعر.
فالشاعر هنا يعبّر ولايصور (169 – 192) من ذلك قوله:
لاترحلْ عني لاترحلْ
لم تبرحْ ذكرى رحلتِكَ الأولى
كبدي
 تُسقي أحزاني غيظاً محموماً
وتزيدُ جراحاتي غيظاً وسموماً
ذَبُلَ الوردُ على شفتي
وتعطَّلَ بُستاني وترمّلْ
ليس غريباً أن ترحلْ
لكن عجبي ألا تسألْ
خطواتي تاهتْ من زفراتي
في بحرِ الغربةِ
تغرقُ في ليلٍ مسودٍّ ممتدِّ القامهْ
في يدهِِ سوطٌ عربيدٌ يجلدُ أفراحي
يُطفىء مصباحي

خلاصة القول:
إن الشاعر أحمد باعطب يعكس في مجموعته أزمة الشعراء الذين يعيشون بين زمنيين متباينيين، ويتبنون وعيين جماليين مختلفين، ويتوزعّون بين ثنائية الأنا والآخر.

فهم يريدون أن يُجاروا مايجري، ولكنهم لايستطيعون في المقابل أن يتخلّصوا من قيود (التابو) القديم.
وربما كان هذا هو السبب الرئيسي في عدم قدرتهم على تجاوز أنفسهم ومجاراة التطور، فلاهم نجحوا في التقليد فتميزوا، ولاهم استطاعوا مجاراة ماحولهم فأقنعوا وأثّروا.


0 تعليقات:

إرسال تعليق