مفهوم التنمية البشرية.. تحسين القدرات البشرية المساهمة في النمو الاقتصادي لا يقل أهمية عن الاستثمار في رأس المال المادي



هناك تعاريف كثيرة لمفهوم التنمية البشرية، منها ما ورد في مقدمة الإعلان العالمي عن حق التنمية الذي اُعتمد ونشر عام 1986م, والذي يعتبر أن التنمية هي: "عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم، النشطة والحرة والهادفة, في التنمية وفى التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها".

ووفق هذا التعريف فإن الإنسان هو الموضوع الأساسي في التنمية البشرية، لذلك فقد كثرت الدراسات والمؤتمرات التي حاولت تحدد مفهوم التنمية البشرية ودراسة أبعادها ومكوناتها وأنواعها وغاياتها، كإشباع الحاجات المختلفة، ورفع مستوى المعيشة، ورفع مستوى التعليم، وتحسين نوعية حياة الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية...إلخ.

يعتبر مفهوم التنمية البشرية مفهوما مطورا لمفاهيم تنموية سابقة كانت تعتبر أن الاستثمار في تحسين القدرات البشرية المساهمة في النمو الاقتصادي لا يقل أهمية عن الاستثمار في رأس المال المادي، ولكن يختلف عن هذه المفاهيم في أنه يجعل الأفراد هم محور التنمية والمشاركين بها ويعيد الإنسان إلى مكانه الصحيح في العملية التنموية.

بعد أن مرت عقود متعددة كان التركيز فيها منصبا على الكيفية التي يتم من خلالها زيادة التراكم الرأسمالي بهدف زيادة الإنتاج والثروة واعتبار زيادة الدخل القومي مقياسا للنمو الاقتصادي. يركز هذا المفهوم على استفادة أفراد المجتمع من ثمار النمو الاقتصادي بطريقة أكثر عدالة وبحيث يؤدي أيضا إلى تحسين قدراتهم للمساهمة في إدامة هذا النمو بطريقة مستمرة ومتكررة.

إن استدامة التنمية البشرية تقتضي مراعاة التوازنات البيئية والقدرة التحميلية للأنساق البيئية حتى لا يدمر البشر أساس وجودهم على سطح الأرض، وفي جوهرها قضية التوصل إلى علاقة سوية بين الإنسان ونشاطاته الإنتاجية والاستهلاكية من جهة وبين البيئة ومواردها وأنساقها الطبيعية من جهة أخرى.

فالتوصل إلى علاقة تكفل الأمن لإنسان الجيل الحاضر والأجيال المقبلة دون طغيان لاحتياجات الجيل الحاضر، على حق الأجيال القادمة في مواصلة التنمية استنادا إلى قاعدة موارد معقولة، هو ما يسعى إلى تأكيده وإبرازه مفهوم التنمية البشرية المستدامة.

واستدامة التنمية لا تعني وقف النمو الاقتصادي بقدر ما تعني تغيير بنيته ونوعيته بحيث لا يكون على خلاف مع النمو البشري والذي يراعي ما يلي:
1- نمو يتيح فرصا كافية لتشغيل قوى العمل الوطنية.
2- نمو مقرون بالإنصاف والرحمة في توزيع ثماره.
3- نمو يقوم على مشاركة مواطنين في اتخاذ قراراتهم.
4- نمو يحافظ على الهوية الثقافية للمجتمع.
5- نمو يصون الموارد الطبيعية وينأى بها عن التلوث والدمار.

ومجمل القول أن التنمية البشرية هي تنمية متكاملة وشاملة ومتجددة ذاتيا، فهي تنمية تبدأ بالإنسان فهو الذي يصنعها وهو الذي يجب أن تعود إليه بمنافعها.

إنها عملية توسيع لخيارات الناس ولقدراتهم من خلال تكوين رأس المال الاجتماعي واستخدامه بأكبر درجة ممكنة من الإنصاف وذلك لتلبية الجيل التالي دون تعرض فرص إشباع حاجات الأجيال المقبلة الأخرى للخطر ودون تعريض الأساس الطبيعي، الذي تقوم عليه حياة البشر على كوكبنا للتآكل أو الدمار ودون إثقال كاه ل أجيال المستقبل بأعباء ديون لم يكن لهم يد في التورط فيها.